القاضي عبد الجبار الهمذاني
211
تثبيت دلائل النبوة
عطلوا ذلك كلهم ، وارتدوا / بأسرهم . وهذا قول الكاملية ، ورئيس هذه المقالة أبو كامل معاذ بن الحصين النبهاني الكوفي . وقال هشام بن الحكم « 1 » : قد ارتدوا كلهم إلا نفرا يسيرا ، فإنهم أقاموا على اعتقاد هذا النص بضمائرهم وقلوبهم دون الإظهار بألسنتهم . قالوا : وهذا اليوم هو يوم الغدير « 2 » ، وحين ظهروا هذه الطائفة في سني نيف وخمسين وثلاثمائة للهجرة عيّدوا في ذلك اليوم ليؤكدوا كذبهم في المهاجرين والأنصار في أنهم ارتدوا ، فاعرف ذلك . والحنبلية والإمامية يحتجون بكثرتهم وان مقالتهم قد غلبت على البلدان ، وقد تقدم لك القول : ان الكثرة لا تدل على صحة النحلة وانما يدل عليها قيام الحجة ، وان قلّ عدد العاملين . بل لو كان القائل بالحق رجلا واحدا ، وقامت له الحجة ، لكان أولى بالحق ولو خالفه جميع أهل الأرض . وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : إن الحق لا يعرف بالرجال ، ولكن اعرف الحق تعرف أهله ، واعرف الباطل تعرف أهله . وقد كانت الحنبلية تحتج على خصومهم من الرافضة بالكثرة وتقرع الرافضة بالقلة ، والرافضة تحتج بأن اللّه قد ذم الكثرة ومدح القلة وتتلو ما في من القرآن ، فلما اتفقت لهم منذ سني ونيف وخمسين وثلاثمائة للهجرة احتجوا بالكثرة ،
--> ( 1 ) هشام بن الحكم الشيباني : من كبار مفكري الشيعة ومتكلميهم توفي سنة 199 ه . منتهى المقال 322 - 323 ( 2 ) يقصد غدير خم ، وهي بئر على ثلاثة أميال من مكة ، وقد روي أن الرسول عليه الصلاة والسلام خطب المسلمين فكان من جملة قوله : « ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ فقالوا اللهم نعم ، فقال : فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . . . » وهذا الحديث مشهور ، وقد استدل به الشيعة على أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد نصّ على الخلافة من بعده لعلي رضي اللّه عنه ، ولم يجد باقي المسلمين فيه أكثر من الدلالة على فضله .